ابن عجيبة

426

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : أخذ المشايخ من أموال الفقراء سبب في غناهم ، واتساع حالهم حسا ومعنى ، وقد قالوا : إذا أراد اللّه أن يغنى فقيرا سلط عليه وليا يأخذ ماله ، أو أمره شيخه بإعطاء ماله ، فإن ذلك عنوان على غناه . وقد ذكر ذلك شيخ أشياخنا سيدي على الجمل العرانى في كتابه . وقد رأيت في مناقب شرفاء وزان : أن الشيخ مولاي التهامي أرسل إلى أخيه مولاي الطيب ، وكان من خواص تلامذته ، أن يدفع إليه جميع ماله ليصنع به كسوة للمرابطين ، فأرسل له جميع ما يملك ، حتى كسوة الدار وأثاث البيت ، فكان ذلك سببا في فيضان ماله ، فلا تجد مدينة ولا قبيلة إلا وفيها ملك من أملاك مولاي الطيب ، حتى إلى بلاد الجزائر وما والاها ، وذلك بسبب تجارة شيخه له . واللّه تعالى أعلم . ثم هدد أهل التخليط ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 105 ] وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) يقول الحق جل جلاله : وَقُلِ اعْمَلُوا ما شئتم من خير أو شر ، فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ؛ فإنه لا يخفى عليه ؛ خيرا كان أو شرا ، وَ سيرى ذلك أيضا رَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ، فيظهر لهم ما يبدو منكم ، فإن الطول يفضح صاحبه . وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ ؛ بالموت ، فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ؛ فيخبركم بما عملتم ؛ بالمجازاة عليه . الإشارة : كل من ظهر بدعوى أو تعرض لمقام من المقامات يقال له : ( وقل اعملوا فسيرى اللّه عملكم ورسوله والمؤمنون ) ، فإن كان أمره مبنيا على أساس الإخلاص والتقوى ثبت وانتهض ، وشعشع نوره ، وإن كان مبنيا على غير أساس ، افتضح وكسف نوره ، وسيرد الجميع إلى عالم الغيب والشهادة ، فيجازى كلّا بعمله . ثم نزل في شأن الثلاثة الذين خلّفوا قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) قلت : الإرجاء هو التأخر ، يقال : أرجاه - بالهمز وتركه - : أخره . يقول الحق جل جلاله : وَآخَرُونَ من المتخلفين ، تخلفوا من غير عذر ، ولم يعتذروا بشئ ، مُرْجَوْنَ أي : مؤخرون لِأَمْرِ اللَّهِ في شأنهم ؛ إِمَّا أن يُعَذِّبُهُمْ على تخلفهم عن الجهاد مع